"ولدتُ في بلد، أبي من بلد، وأمي من بلد، وسكني في بلد، وأشباح نفسي تنتقل من بلد إلى بلد، فلأي من هذه البلدان أنتمي، وعن أي هذه البلدان أدافع؟" (مي زيادة، "ظلمات وأشعة"). صورة مي زيادة بين الأدب والحب وحيرة الانتماء والعزوبة والوحدة… وأخيراً "الجنون" الملتبس أو المزعوم، هي واحدة من صور حياتنا الثقافية في الأمس واليوم. وقد تكون حياتها في القاهرة الكوزموبوليتية، حيث أنشأت صالونها الأدبي في مطالع القرن العشرين، الحلقة الأبرز في صورتها، إلى جانب كتاباتها المتنوعة وعلاقتها "الغرامية" بجبران… على الورق. وما استعادة سيرتها الناقصة اليوم إلاّ محاولة لإضاءة جوانب خلاّقة من ماضي ثقافتنا وحاضرها الراهن.
لم نجد لدى الأدباء العرب واللبنانيين في أوائل القرن العشرين سوى القلّة القليلة، ممن اتخذت حياته منحى غريباً يفارق مناحي الأدباء المألوفة، على نحو ما شهدنا في حياة الأديبة مي زيادة. ولئن ولدت مي في الناصرة من أعمال فلسطين في 11 شباط من عام 1886 ، فإن أبويها (والدها لبناني وأمها فلسطينية - سورية) ما برحا شديدي التعلق بقرية شحتول، في قضاء كسروان. وإذا قُدّر لها أن تقيم في القاهرة، منذ العام 1904 ، بداعي التعليم الذي انصرف إليه والدها، فإن أوهاماً كبرى لازمت روحها، محلقة بها في ما يتجاوز القارتين الإفريقية والأوروبية إلى أميركا، وتحديداً إلى نيويورك حيث أقام جبران خليل جبران، حبيب نفسها وموطن آمالها التي أبادها عندما مات.
لا وطن لي! سبقت مي زيادة، بلا شك، مجايليها من الأدباء المصريين واللبنانيين والعرب عموماً، بتلك الصلة المهزوزة التي اعترت علاقتها بالوطن الأم…. ذلك أن مي زيادة، الفريدة بين أديبات ذلك الشرق وأدبائه، هي ممن راحوا يتفحصون أوطانهم بعين الرهافة ويزينونها بميزان التجربة الفردية، يرفدهم في ذلك إرث ثقافي عماده الارتياب بفكرة الوطن لصالح الكائن الحر، الأرقى وجوداً من أي كيان. فإذا ما أنعمت النظر إلى وطنها، وراحت تقيسه بمقاييس العدل والقرابة الحقة واحترام المرأة، وجدت أن وطنها ذاك "تنقصه شروط المواطنية". وإذا جالت في أرجاء الوطن وتأملت طبيعته الحلوة، أحبته حباً، غير ان ذلك الحب لا يكفي أن يصير ذلك الوطن لها. ثم، بعد أن تجري جردة في محاسن كل أمة، مفاضلة بينها وبين وطنها، تنتهي إلى أن "لا وطن لها"، وأن وطنها إنما هو وطن "العالِم والفيلسوف والشاعر والفنان…".
وقد يظن البعض أن حال اللاإنتماء هذه التي انتهت إليها مي زيادة، كانت تتويجاً لمسار أدبي ذروته الانصراف عن الناس وقضاياهم وقيمهم التي يختلط فيها الغثّ بالسمين، والوطني الحق بالطائفي، والقومي بالتعصبي، في حين بدت مي، منذ انخراطها في حياة القاهرة المدنية نشطة، تخطب في الناشئة وتحضّ على المساواة بين الرجل والمرأة، وتفتتح النوادي داعية إلى معونة أهل سوريا ولبنان ممن أصابتهم نكبة الجوع. حتى ليمكن القول إن تحرّكها الاجتماعي الناشط، والذي نستدل عليه من سلسلة خطبها ومقالاتها ومما أُثر عنها في محيطها القريب، كان مستمداً من النبض الحي والمتنامي لنخبة اجتماعية مصرية في عزّ صعودها، بالتزامن مع اليقظة المصرية والوطنية، متمثلة بثورة سعد زغلول، وما أشاعته في أوساط العامة والخاصة من مشاعر الاعتزاز القومي والتآخي بين عناصر الأمة. إذاً، لم يكن شعور مي زيادة بالانتماء إلى مصر أو إلى لبنان، في بادئ الأمر، شعوراً نخبوياً مجرداً من كل شوائب العامة. وإنما كانت منجذبة إلى هذا الانتماء الطبيعي انجذاباً خالصاً، لعله يلطّف من مرارة انسلاخها عن محيطها الأول (لبنان) وقساوة ابتعادها عن مسقط رأسها وملعب صباها (فلسطين) ومسرح تألقها الأدبي والفكري (مصر).
إلاّ أن ما كابدته إبّان أزمتها النفسية الأولى، وعنيت موت بعض الأدباء ممن كانوا يشكلون الحلقة الأدبية التي راحت تنتظم دورياً في بيتها الوالدي، وما تلى ذلك من صلات مضطربة، بل متوترة، بأقارب لها من آل زيادة، ممن كانوا يتحيّنون الفرص لانتزاع الإرث من بين يديها، فاقم في نفسها الشعور بعدم الانتماء إلى وطن، إذ فطنت إلى الفرق العظيم بين شعارات من مثل القربى والوطنية والجماعة والأمة، والمسلك الحقيقي الذي ينطوي عليه بشر هذه الجماعات والأقوام والأوطان. حتى إذا تقصيت كتب مي زيادة، لما بعد العام 1920 ، وجدت حقلاً معجمياً أكبر فيها، ويكاد يكون الأعظم بدلالته، وعنوانه الغربة: متفرد، هجران، المجهولة، المنبوذ، التائه، الغريب، السجينة وغيرها، وقطبه الثاني المرتبط به ارتباطاً لا يقل دلالة، هو الجماعة: الجماهير، الجماعات، الناس، المجتمع، وغيرها من مترادفاته.
لا، لم تكن غربة مي محض عنوان برّاق لمسلك رومنطيقي كانت تدرك أصوله الكبرى بالعقل وتأنف من اتخاذه ما لم يصدر من صميم وعيها وروحها، وإنما كانت يقيناً راسخاً في أعماق كيانها، ومؤداه أن الفرد مآله الوحدة في عالم تهاوت قيمه وأطره الجمعية، وأن على الأدب أن يتنكّب المهمة السامية وهي مؤاساة الإنسان في مصيره الفردي، على ما أوردته في محاضرتها العتيدة، "رسالة الأديب إلى العالم العربي"، التي ألقتها من على منبر الجامعة الأميركية في بيروت، في العام 1938 ، بإصرار من صديقها أمين الريحاني، دحضاً لمزاعم جنونها التي أطلقها أنسباؤها عليها، وتسببت بالفصل المأسوي الأخير من حياتها في لبنان. إذاً، كانت مي زيادة اللامنتمية الأولى بين الأدباء اللبنانيين والعرب، من قبل أن تذيع هذه الدرجة من كولن ويلسون في أهل العربية. ولربما كانت أول أديبة إنسانية (او إنسانوية) جازت بقلبها وقلمها حدود الأوطان العربية والمشرقية إلى آفاق لم تتسنّ رحابتها إلاّ للقلة القليلة، تعينها على ذلك كوزموبوليتية سرت في عروقها منذ رأت الـنـور ولـم تـفـارقـهـا حـتـى مفارقتها الحياة. وفي حين كان قاسم أمين، رائد تحرير المرأة في مصر، يخطب ودّ الخديوي عباس الثاني، طمعاً في منصب، وكان طه حسين، الذي ما برح يتردّد إلى صالون مي زيادة الأدبي عقداً من الزمن حتى تولتها سويداء الموت، ساعياً بدوره في سكة الموظفين الكبار في بلاد الملك فؤاد الأول، وكان لطفي السيد وولي الدين يكن وشبلي الشميل وغيرهم من المثقفين المصريين أو المنضوين في حركة الثقافة في مصر، معتمدين على "رضى الدولة"، ومرتضين العيش في كنفها، على أنها ضامنة للحداثة التي يزعمون حملها في ذواتهم ونتاجهم…
في حين كانت أحوال هؤلاء المثقفين على هذا الوصف، كانت مي زيادة هانئة في منزلها الكبير، في القاهرة، ناعمة بحال مقبولة من البحبوحة، موفورة بعمل والدها; تنقل خطوها بين مكتبها المستقل فيه، حيث يخط قلمها ما يخطر في بالها، حرة الضمير واللغة والموقف، وبين البيانو الذي تجيد العزف عليه، وبين صالونها الوسيع الذي جعلته منتدى أدبياً عامراً على مدى سبعة عشر عاماً أو أكثر، منذ العام 1912 ، عام إصدارها باكورتها الشعرية الفرنسية "أزاهير حلم"، وحتى العام 1929 ، تاريخ موت والدها. وقد أمّ منتدى الثلاثاء أو صالون مي الأدبي، الأدباء والشعراء اللبنانيون والمصريون والسوريون ليتداولوا في أخطر القضايا الأدبية والاجتماعية، متحررين من ضغط الوظائف، ومن ثقل انتمائهم إلى دواوين الدولة، في غالبيتهم العظمى، وما تمليه عليهم من أوليات غير أدبية.
وقد وصفت الكاتبة جانباً من النقاشات الحارة التي كانت تجري في صالونها الأدبي، "وفي ردهة الاستقبال بمنزل والدي مي"، ذكرت في مطلع المحاورة المنقولة عن أجواء اللقاءات، ولئن حرصت على أن تتنقل، في هذه المحاورة بين شخصيات نموذجية تمثل نخبة المجتمع المصري، وتشكل عينة من رواد صالونها الأدبي (السيدة جليلة; معلمة مي، مي، تلميذة السيدة جليلة وكاتبة مقالات المساواة، بلانش وانتوانت; رفيقتا مي تتكلمان الفرنسية، عارف; أديب خبر الناس، الأستاذ سامي: عالم فيلسوف، سعيد بك; وجيه ورئيس جمعية خيرية، زكي أفندي; لا فكر له، وممتدح جميع الناس)، فإنها شاءت أن تُخرج نفسها على صورة الناظمة لهيئة المفكرين والأدباء المصريين وللمنتفعين على حد سواء، والذين راوحت
المزيد